كنت أعتقد، وأنا الصحافي الذي قضى عقودًا في هذه المهنة، أن بعض الممارسات التي ارتبطت بسنوات الرصاص انتهت مع رحيل رموزها: أوفقير، والدليمي، والعنيكري، والبصري.
كنت أظن أن المغرب، وقد قطع أشواطًا في بناء صورة جديدة لدولته ومؤسساته، تجاوز مرحلة التعامل مع الصحافة باعتبارها شبهة أو تهديدًا.
غير أنّ ما حدث لي مؤخرًا في قلب الرباط أعاد طرح السؤال المؤرق: هل انتهت تلك الممارسات فعلا، أم أنها تعيد إنتاج نفسها بأشكال جديدة؟

كنت أجري حوارًا صحفيًا عاديًا مع مواطن بسيط أمام مؤسسة يفترض أنها “مؤسسة الشعب”: البرلمان، بشارع محمد الخامس. ضيفي كان المواطن عبد الله لوبزة، الذي جاء من إيمينتانوت خصيصًا للمشاركة في هذا الحوار.
وبين سؤال وإجابة، توقّف ضابط أمن، وطلب بطاقة تعريف ضيفي. تدخّلت موضحًا أنّ ما يجري يشكل تضييقًا على حرية الصحافة، وأن المواطن له الحق في التعبير عن رأيه في فضاء عمومي. لكن الضابط أجاب بلهجة آمرة: “أنا ضابط أمن”. وكأن الصفة وحدها تُسقط السؤال، وتبرّر الفعل.
بعد نهاية الحوار، ظهر أكثر من عنصر من الاستعلامات العامة، وأرادوا أخذ ضيفي إلى مخفر الشرطة. وحين سألت عن السبب، كان الجواب: “للتحقق من الهوية والاستماع إليه”. بأي صفة؟ وبأي قانون؟ هل أصبح الإدلاء برأي أمام كاميرا فعلاً يوضع صاحبه بسببه تحت المساءلة والاصطحاب؟
السؤال هنا لا يتعلق بواقعة شخصية، بل بمبدأ.
هل كل مواطن يجيب عن أسئلة صحافي في الشارع العام معرض لسحب بطاقته، وربما اقتياده إلى المخفر؟
للأسف، يبدو أنّ هذه الممارسة بدأت تتكرر منذ الأيام الأولى لحراك شباب “زد”، حيث تُعامل الكاميرا، والصوت، والرأي، باعتبارها تهديدًا أمنيًا. كأننا عدنا إلى زمن كان فيه ظهور المواطن أمام عدسة صحفي مثار شك أو خطر محتمل.
لكن، هل هذه هي السياسة التي تريدها المؤسسة الأمنية؟
هذا هو السؤال الجوهري.
عبد اللطيف الحموشي، باعتباره المسؤول الأول عن الأمن الوطني والاستعلامات، بنى لنفسه خلال السنوات الماضية صورة رجل “العقلنة” و”الاحتراف”، بديلاً عن منطق القوة العارية. خطاب الدولة الرسمي يتحدث عن:
الانفتاح
الثقة في المؤسسات
تشجيع الحوار العمومي
واحترام الحريات الدستورية
لكن ما يحدث على الأرض أحيانًا يبعث برسالة معاكسة: الشارع مراقَب، والكاميرا مراقَبة، والصوت الحر مراقَب.
إذا كان المواطن يخاف من الكلام، وإذا كان الصحافي يخاف من ممارسة مهنته، فما جدوى دستور 2011 الذي أكد على حرية التعبير؟ وما معنى كل النقاشات حول “الدولة الحقوقية” و”النموذج الديمقراطي”؟
هذه ليست دعوة للمواجهة، بل دعوة للمراجعة.
الأمن مؤسسة وطنية، تخدم المواطن، لا ترهب المواطن. والصحافة ليست خصمًا للدولة، بل وسيلة لفهم الدولة والمجتمع.
ما وقع أمام البرلمان لم يكن حادثة فردية، بل علامة. والعلامات يجب أن تُقرأ، لا أن تُهمل.
إذا كانت الدولة تريد الثقة، فعليها أن تثق. وإذا أرادت أن يتكلم المجتمع، فعليها ألا تعاقبه حين يتكلم. وإذا أرادت صحافة مهنية، فعليها ألا تتعامل مع الصحافي بوصفه مشتبها فيه.















