في زمن تتسارع فيه الإيقاعات وتغيب فيه الروح عن تفاصيل الفن، تطل مسرحية “الشمعة” لتعيد إلينا وهج الجمال الممزوج بالتأمل، في تجربة فنية تنهل من الينبوع الصوفي المغربي وتمنح خشبة المسرح نَفَساً جديداً.
هذا العمل، من تأليف وإخراج عثمان لحياوين، ليس مجرد عرض مسرحي، بل هو رحلة فكرية نسجت من خيوط التراث، التراث اللامادي من خلال موكب الشموع الموكب العريق التابع للزاوية الحسونية بسلا الذي ظهر مع السعديين وظل مستمر إلى يومنا هذا مع العلويين فتم الجمع بين تراث الامادي وتراث الصوفي و إدراجه في قالب فني ممسرح فرغم الرحلة فكرية إلا وأن الجانب الروحي يتقاطع فيها الرموز والدلالات، لتجعل من كل مشهد تأملاً في معنى الإنسان والوجود.
يحكي العمل قصة عائلة يتصدرها الطاهر، الذي يجد نفسه أمام صراع داخلي عميق بعد قرار والدته نوارة أداء فريضة الحج. من خلال هذه الحكاية البسيطة في ظاهرها، يفتح لحياوين باباً واسعاً للتأمل في التوازن الدقيق بين الروح والمادة، بين الرغبة في السمو الروحي والارتباط بجذور الحياة اليومية. إنها ليست قصة دينية بقدر ما هي مرآة للإنسان المعاصر الباحث عن معنى في عالم يضج بالضياع.
الرؤية الإخراجية جاءت محكمة ودقيقة، تجمع بين الأصالة والحداثة. فقد اعتمد المخرج على لغة بصرية وحركية تترجم العوالم الصوفية دون أن تسقط في التقريرية. حضور “الرجل الشاعر” الذي يخاطب الجمهور مباشرة عبر الميكروفون أضفى على العرض بعداً ملحمياً يُكسر فيه الجدار الرابع، فينخرط المتفرج في الحدث لا كمشاهد، بل كشريك في السرد والتجربة.
أما الحركة، فقد كانت ركيزة التعبير الأولى. جسد الممثلين تحوّل إلى لوحة متحركة تستمد إيقاعها من رقصات بينا باوش التي تعتمد على التكرار وأشياء أخرى فتم الإشتغال عليها( بطريقة مغربية صوفية) ، حيث يتكرر الإيقاع كما يتكرر الذكر في حلقات الصوفية، لتولد من هذا التكرار طاقة داخلية تهز المتلقي. وتأتي الإضاءة هنا لتعمّق المعنى، متدرجة بين الظلال والضياء، في توازٍ مع حالات البطل النفسية، فتغدو كل لحظة ضوئية رمزاً لحالة روحية متغيرة.
في الجانب السينوغرافي، اختار لحياوين أن يجعل من الديكور كائناً حياً، فاعتمد على النسيج المعلق الذي يتنفس ويتفاعل مع الحركة والهواء. ليس مجرد خلفية جمالية، بل ذاكرة حية تنكمش وتتسع مثل النفس في لحظات التأمل والخشوع. الموسيقى بدورها كانت عنصراً مؤثراً، إذ وُظّفت الموسيقى الصوفية التقليدية ومزجت بإيقاعات رقمية حديثة عبر تقنيات إنتاج موسيقي مثل FL Studio، في محاولة لخلق جسر بين الماضي الروحي والحاضر التكنولوجي، بين دفء الزاوية ونبض العصر.
أما الأزياء، فقد جاءت بلغة رمزية دقيقة، تحمل ألوانها معانيها الخاصة: الأحمر للدلالة على الحياة والوطن، والأخضر رمزاً للبركة والصفاء الروحي، لتندمج الأقمشة والألوان في تكوين بصري يخدم جوهر الفكرة لا سطحها.
كل ذلك يقودنا إلى لبّ العمل: البحث عن الخلاص. فـ”شميعة” ليست احتفاءً بالماضي بقدر ما هي محاولة لإعادة قراءته على ضوء الحاضر. القضايا التي يطرحها العمل ــ من وحدة الإنسان، وشوقه، وخساراته المتكررة ــ هي قضايا كونية لا تحدّها جغرافيا. شخصية “المريد”، بوصفه الأب الروحي للزاوية، تمثل صوت الحكمة الكوني الذي يتجاوز الدين والمكان، ليصير رمزاً لإنسان يبحث عن معنى وجوده وسط صخب العالم.
وتأتي اللوحة السادسة لتختم العمل بومضة أمل: ظهور فتاة في الزاوية، وبداية جديدة بعد الفقد. النهاية هنا ليست غلقاً للحكاية، بل فتحٌ لمسار آخر، يوحي بأن الروح لا تموت، وأن النور يظل مشتعلاً مهما طال العتم.
إن تجربة “شميعة” ليست فقط علامة فنية مضيئة في المسرح المغربي، بل هي أيضاً تجريبٌ واعٍ في توظيف التراث الصوفي داخل خطاب مسرحي معاصر. بذلك، يؤكد عثمان لحياوين أن المسرح المغربي قادر على توليد لغة كونية من عمق محلي، وأن الروح، متى صدقت، قادرة على أن تُترجم إلى فن يتجاوز الزمان والمكان.















