يعتبر الحفاظ على اللغات الأم بمثابة معركة صامتة من أجل البقاء ، إذ يقول الخبراء في هذا المجال أن لغة أم واحدة تصمت وتنطفئ شعلتها كل اسبوعين ،
ولمواجهة الخطر الذي يهدد هذه اللغات تم اطلاق اليوم الدولي للغة الأم من طرف منظمة اليونسكو والجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يصادف ال 21 من شهر فبراير سنويا ،

وذلك باعتبارها لغة الهوية والشعور بالانتماء إلى الوطن .
وفي هذا الإطار سبق أن أكدت عالمة اللغويات آريا عدلي في مقابلة مع إذاعة دوتشي فيلي أن اللغة تموت عندما يصبح المتحدثون بها قليلين جدا ويصبح الامر أكثر خطورة وتفاقما عندما لا يكون للغة تأثير مؤسسي .
فقد بات أكثر من 2600 لغة مهددة بالانقراض في وقت يرى فيه البعض أن التعدد اللغوي يعد مصدرا للانفتاح على حضارات الشعوب الأخرى وبوابة لإثراء الثقافة وتطويرها لا سيما في عهد الانترنيت والرقمنة والتطور التكنولوجي والعولمة والتغيرات المجتمعية السريعة .
هكذا يحتفل العالم هذا العام بربع قرن من الجهود المبذولة لتعزيز اللغات الأم والحفاظ عليها وتوطيد أسس السلام في كل أصقاع الكرة الأرضية.
عبر هذا الحوار الحصري مع الدكتورة أمينة الشنوفي أستاذة اللغة العربية بمؤسسة البعثة الفرنسية ديكارت بالرباط ، تأخذنا هذه الخبيرة المغربية الحاصلة على شهادة الدكتوراه من جامعة محمد الخامس بالرباط في رحلة بوح واكتشاف لخبايا وتحديات اللغات الأم محليا وعربيا ودوليا في مفارقات مثيرة :
1 كيف يمكن الحفاظ على اللغات الأم بالمغرب في ظل العولمة وانتشار اللغات الأجنبية؟
الحفاظ على اللغات الأم، وخاصة العربية والأمازيغية، يواجه تحديات كبيرة في المغرب بسبب التأثير المتزايد للغات الأجنبية، لا سيما الفرنسية. اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل هي حامل للهوية والثقافة والتاريخ.

وهنا يبرز دور مؤسسات مثل:
• الإيسيسكو التي تعمل على تعزيز العربية في العصر الرقمي.
• المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي يسعى إلى حماية الأمازيغية وتطويرها.
• المجامع اللغوية العربية التي تسهم في تحديث المصطلحات وتطوير المحتوى باللغة العربية.
لكن على أرض الواقع، ومن خلال تجربتي في التدريس داخل البعثة الفرنسية، لاحظت تدني مستوى التلاميذ المغاربة في اللغة العربية، رغم تفوقهم في الفرنسية. هذه الظاهرة تطرح إشكالًا هوياتيًا؛ حيث يصبح التلميذ المغربي غير قادر على التعبير بلغته الأم لكنه متمكن من لغة أجنبية، مما يجعله في حالة اغتراب لغوي وثقافي.
في المقابل، هناك اهتمام متزايد من طرف التلاميذ الفرنسيين وغير الناطقين بالعربية بتعلمها، وبعضهم يتقنها أفضل من التلاميذ المغاربة أنفسهم.
هذه المفارقة تطرح سؤالًا جوهريًا حول النظرة المجتمعية للعربية ومدى وعي الأسر بأهمية الحفاظ على الهوية اللغوية.
لمواجهة هذه التحديات، يجب العمل على:
• إصلاح المناهج التعليمية لتكون العربية لغة حية ومواكبة للتطورات العلمية والتكنولوجية.
• تعزيز المحتوى العربي في الإعلام والمنصات الرقمية لضمان حضوره في الحياة اليومية.
• توعية الأسر بأهمية اللغة العربية وربطها بالهوية والانتماء، فالمسألة ليست فقط تعليمية بل ثقافية واجتماعية.
2 كيف يبدو لك مستقبل اللغة العربية في المغرب؟
مستقبل العربية يعتمد على مدى قدرتها على التكيف مع التحولات المعاصرة.
لا يكفي الدفاع عنها في الخطابات، بل يجب توفير بيئة حقيقية لنموها وازدهارها.
هناك جهود تبذلها الإيسيسكو لتعزيز العربية في العصر الرقمي، كما أن مجامع اللغة العربية تعمل على تطوير المصطلحات العلمية والتقنية، لكن التحدي الأكبر يتمثل في:
• دمج العربية في البحث العلمي والتعليم الجامعي والتكنولوجيا الحديثة.
• تقليل هيمنة الفرنسية في المجال الاقتصادي والإداري وإعطاء العربية مكانتها المستحقة.
نحن لسنا ضد تعلم اللغات الأخرى والانفتاح على العالم، بل على العكس، فاللغات بوابة للمعرفة والتواصل مع الثقافات المختلفة.
ولكن يجب إتقان لغتنا الأم أولًا، حتى لا نقع في الاستيلاب الثقافي ونتمكن من الحفاظ على هويتنا.
3 هل هناك إقبال على تعلم اللغة العربية من طرف غير الناطقين بها؟
نعم، هناك اهتمام متزايد بتعلم اللغة العربية من قبل الأجانب، وخاصة الفرنسيين، الذين ينظرون إليها كلغة ثقافة وفكر وتاريخ.
في المغرب، يزداد عدد الأجانب المسجلين في معاهد تعليم العربية، وبعضهم يحقق مستوى إتقان يفوق التلاميذ المغاربة، مما يبرز مفارقة مثيرة للقلق.
من خلال تجربتي في التدريس داخل البعثة الفرنسية، لاحظت أن العديد من التلاميذ الفرنسيين لديهم شغف كبير بتعلم العربية، بينما بعض التلاميذ المغاربة ينظرون إليها على أنها “لغة غير نافعة” مقارنة بالفرنسية.
هذا يعكس التأثير السلبي للنظرة المجتمعية التي تهمّش العربية لصالح اللغات الأجنبية.
في المقابل، هناك مؤسسات دولية تعمل على نشر العربية عالميًا، مثل:
• معهد العالم العربي في باريس الذي يقدم برامج متطورة لتعليم العربية لغير الناطقين بها.
• مركز الملك عبدالله الدولي لخدمة اللغة العربية الذي يروج للغة العربية أكاديميًا وإعلاميًا.
لكن التحدي الحقيقي ليس في انتشار العربية عالميا، بل في تراجع مكانتها داخل مجتمعاتنا العربية نفسها.
ختامًا ،اللغة العربية ليست مجرد أداة تواصل، بل هي عنصر جوهري في بناء الهوية الثقافية. وفقدان الارتباط بها يعني فقدان جزء من الذات. العربية ليست لغة متخلفة كما يعتقد البعض، بل هي لغة حضارة قادرة على استيعاب العلوم والمعرفة الحديثة، بشرط أن نوفر لها المكانة التي تستحقها في التعليم، والإعلام، والتكنولوجيا.
أجدد شكري لموقع “لوبوكلاج” على اهتمامه بقضية اللغة العربية، وأتمنى أن يساهم هذا الحوار في تسليط الضوء على التحديات التي تواجه لغتنا وسبل تعزيزها في المستقبل.















