مما لا شك فيه أن الإحتجاجات التي يخوضها طلبة كليات الطب والصيدلة، والإحتقان الذي تعرفه هذه المؤسسات الجامعية لأزيد من عشرة أشهر تنذر بمستقبل غامض بالنسبة لهؤلاء الطلبة وأوليائهم.
وتعد المسيرة الوطنية التي نظمتها تنسيقيات الطلبة يوم السبت 5 أكتوبر الجاري أمام البرلمان بالعاصمة الرباط، خير دليل على الوضع المقلق الذي يعيشه قطاع الصحة في غياب حوار يرتكز على الحكامة والوضوح وفي وقت تأبى الوزارة الوصية الإنصات لنبض أصحاب البدلة البيضاء.
وقد أعرب الطلبة عن استيائهم من هذه الوضع الكارثي بسبب تجاهل المطالب المشروعة لهم والمتمثلة في “إعفاء الدفعات الخمس الحالية من قرار تقليص سنوات الدراسة والاكتفاء بتطبيقه بداية من العام المقبل بعد هيكلة النظام الجديد 4+2 وإلغاء التوقيفات في حق ممثلي الطلبة، إلغاء نقطة الصفر وضمان اجتياز الامتحانات بكلا الدورتين العادية والاستدراكية في كلا الفصلين فضلا عن التوقيع على محضر اتفاق يتضمن جميع مطالبهم”.
وفي مشهد يدمي القلوب قام الطلبة بنز ع وزراتهم ووضعها على الأرض بعد أن طفح الكيل على حد تعبيرهم ونال منهم اليأس في ظل صمت مطبق للوزارة التي لا يطالب المحتجون منها سوى إرادة حقيقية للتفاعل مع مطالبهم.
اليوم، أبقراط وابن سينا والرازي و باستور وغيرهم من الرموز الذين أناروا دروب البحث العلمي وتركوا بصمات لا تمحى في تاريخ الطب يسائلون من يقف وراء هذه الأزمة وعن مصير هؤلاء الطلبة الشغوفين بهذه المهنة النبيلة التي تنقذ الأرواح وتخفف الآلام وتعيد البسمة للمرضى.
ففي وقت تشهد فيه البلاد مجموعة من الأوراش التنموية ونجاعة في تدبير عدة قطاعات اجتماعية، تثير مثل هذه الإحتجاجات وفي مجال حساس يعد من الأولويات في البلدان المتقدمة مجموعة من التساؤلات والمخاوف لدى المواطنين والآباء الذين يرون في الطبيب قدوة ويشجعون أبناءهم لممارسة هذه المهنة العظيمة.
أكثر من 24 ألف طالب يرفعون شعار التحدي بمطالب مشروعة في أطول إضراب في تاريخ المغرب مما يدق ناقوس الخطر وينذر بوجود خلل في المنظومة الصحية يجب التوقف عنده .ويتساءل البعض لماذا تنصلت وزارة الصحة من أحقيتها في تدبير قطاع التكوين ومن المسؤول عن اكتواء أطباء الغد بنيران التجاهل واللامبالاة ومن يقف حجر عثرة أمام أهدافهم الحالمة بمستقبل أفضل؟!
هؤلاء شباب يدركون قيمة الوطن ولذلك فضلوا البقاء تلبية لندائه، كما أن عشق المغرب كامن ومتجذر في قلوبهم وأرواحهم، لا يريدون ارتداء وشاح الهجر والنسيان، وإن تحسرهم على الأوضاع التي يعيشونها لا ينبغي أن تفسر بشكل سلبي لأن الطبيب ليس كمن يجيد التهريج أو ترديد شعارات واهية وخادعة عند حلول الاستحقاقات الانتخابية، فصراخ الطبيب منبثق من آهات الطفل الداخلي الذي كان يحلم ويحمل هم الوطن ويؤمن بقضاياه وصرخته بمثابة جرس إنذار على وجود مكامن الخلل وجروح عميقة تتطلب من المسؤولين التسريع بمعالجتها قبل فوات الأوان.
إن تمسك الحكومة بهيكلة النظام الجديد للدراسات الطبية والصيدلية، الذي يرفضه الطلبة يرسم صورة غامضة وقاتمة لمستقبل أطباء الغد ويزيد من لهيب نيران الاحتجاجات والتي لن يقوم بإخمادها سوى صاحب حكمة وحس وطني أو من يملك رؤية تتسم بالرزانة والعقلنة وقلبا منفتحا يتسع لاحتواء هذه الأزمة، عسى أن يبزغ فجر جديد ويخترق البرق سواد الواقع وحتى لا تفقد مهنة البدلة البيضاء بريقها الوهاج وقدسيتها التي ظلت ثابتة على مر العصور.














