* نسرين سليمان
شهدت الساحة الليبية اللبنانية تطورًا لافتًا هذا الأسبوع، بعد إعلان حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس أن السلطات اللبنانية قررت الإفراج عن هانيبال معمر القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل، وإلغاء قرار منعه من السفر والكفالة المالية التي فُرضت عليه سابقًا. القرار جاء بعد أكثر من عشر سنوات من احتجازه في لبنان على خلفية قضية اختفاء الإمام موسى الصدر ورفيقيه عام 1978، التي ظلت أحد أعقد الملفات القضائية والسياسية بين البلدين.
وأكدت الحكومة الليبية في بيان رسمي صدر الخميس، أن الإفراج عن القذافي جاء «ثمرة للجهود الدبلوماسية التي بذلتها الدولة الليبية منذ البداية لمعالجة الملف في إطار قانوني وإنساني يحفظ كرامة المواطن الليبي»، مشيدة بتعاون السلطات اللبنانية، وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب، لما أبدياه من «تفهم وتعاون مسؤول» ساهم في إنهاء القضية. وأضاف البيان أن هذه الخطوة «تعكس روح الأخوة والعلاقات التاريخية التي تربط الشعبين الليبي واللبناني، وتعزز التعاون القضائي وتعيد الثقة إلى العلاقات الثنائية بين البلدين». الحكومة الليبية رحبت أيضًا بما وصفته بـ»النيات الصادقة» التي عبّرت عنها القيادة اللبنانية لإعادة تفعيل العلاقات الدبلوماسية وتطوير التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، مؤكدة التزامها بنهج الحوار والتعاون البنّاء القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
ويأتي هذا التطور بعد زيارة وفد ليبي رفيع المستوى إلى بيروت مطلع الأسبوع الجاري، برئاسة وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي، وعضوية وكيل وزارة العدل علي اشتيوي، والمستشار السياسي والأمني لرئيس الوزراء إبراهيم الدبيبة. وبحسب وسائل إعلام لبنانية ودولية، سلّم الوفد إلى المحقق العدلي زاهر حمادة نسخة من نتائج التحقيقات الليبية في قضية الإمام الصدر، في خطوة اعتُبرت تمهيدًا لإزالة العقبات القانونية أمام الإفراج عن القذافي، وأسهمت في تليين الموقف القضائي اللبناني. القضية التي بدأت فصولها منذ كانون الأول/ديسمبر 2015 عندما أوقف هانيبال القذافي في لبنان، إثر عملية اختطاف مثيرة للجدل في منطقة البقاع نفذتها مجموعة مسلحة كان من بينها النائب السابق حسن يعقوب، نجل الشيخ محمد يعقوب أحد رفاق الإمام الصدر المختفين، كانت قد شهدت جمودًا استمر سنوات طويلة. فقد أُحيل القذافي بدايةً إلى القضاء بصفة «شاهد»، قبل أن تُوجَّه إليه لاحقًا تهمة «كتم المعلومات»، وهي التهمة التي أبقته محتجزًا منذ ذلك الحين.
ومع مرور السنوات، تحوّلت القضية إلى ملف إنساني وقانوني معقد، خصوصًا بعد أن تجاوز احتجازه عشرة أعوام دون محاكمة فعلية، في ظل تحذيرات متكررة من محاميه بشأن تدهور حالته الصحية. وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد دعت في تقريرها الصادر في آب/ أغسطس الماضي إلى الإفراج الفوري عنه، معتبرةً أن احتجازه يتم «بناءً على مزاعم تفتقر إلى الأساس القانوني».
وكان تقرير سابق قد أشار إلى أن القضاء اللبناني وافق على إطلاق سراح القذافي مقابل كفالة مالية بلغت 11 مليون دولار، مع منعه من السفر، وهو القرار الذي اعتبره فريق الدفاع عنه «تعجيزيًا» وغير قابل للتنفيذ، ما أدى إلى استمرار احتجازه رغم تدهور وضعه الصحي. وأوضحت وزارة العدل الليبية حينها أن احتجازه يمثل «انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي»، محمّلة السلطات اللبنانية المسؤولية الكاملة عن سلامته، ومطالبة بالإفراج عنه فورًا. وقد مثّل يوم 17 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي نقطة تحول في القضية، إذ حضر القذافي جلسة استماع أمام القضاء اللبناني للمرة الأولى منذ ثماني سنوات، بحضور محاميه الفرنسي لوران بايون، الذي أكد حينها أن الملف يشهد «ديناميكية جديدة قد تفتح الباب أمام الحل»، مشيرًا إلى أن عائلة بدر الدين – إحدى الجهات المدنية المدعية في القضية – وافقت على طلب الإفراج المقدم من الدفاع.
وحسب بايون، فإن القاضي زاهر حمادة أحال الملف إلى المدعي العام التمييزي جمال حجار لإبداء الرأي، فيما نقلت صحيفة لوريان لو جور اللبنانية عن مصادر قضائية أن الأخير «لا يمانع الإفراج»، وإن ترك القرار النهائي بيد قاضي التحقيق. هذا التوجه القضائي الإيجابي شكّل الأساس للتحركات الدبلوماسية الليبية اللاحقة التي أثمرت الآن عن إلغاء الكفالة وقرار الإفراج.
ويُذكر أن عائلة الإمام موسى الصدر كانت قد رفعت دعوى قضائية ضد هانيبال القذافي عام 2016، رغم أنه كان في عمر عامين فقط عند اختفاء الصدر ورفيقيه عام 1978 خلال زيارتهم الرسمية إلى طرابلس للقاء الزعيم الليبي آنذاك معمر القذافي. وقد أكدت السلطات الليبية الجديدة مرارًا أن الصدر غادر البلاد متوجهًا إلى إيطاليا، وهو ما نفته روما لاحقًا، فيما استمر لبنان في تحميل طرابلس مسؤولية الكشف عن مصير الإمام.
ويرى مراقبون أن الإفراج عن نجل القذافي يشكل تحولًا مهمًا في مسار العلاقات الليبية اللبنانية التي توترت طيلة العقد الماضي بسبب هذا الملف. فطرابلس سعت خلال الأشهر الأخيرة إلى تبني نهج براغماتي لحل القضايا العالقة مع بيروت، واعتبرت أن «القانون وحده يجب أن يكون الفيصل»، وهو ما انعكس في الزيارات المتبادلة والتفاهمات القضائية الأخيرة.
من جانبه، أكد المحامي لوران بايون في تصريح صحافي أن موكله سيغادر لبنان قريبًا، لكنه رفض الإفصاح عن وجهة سفره «لدواعٍ أمنية»، مشيرًا إلى أن القذافي «لا يرغب في العودة إلى ليبيا في الوقت الراهن». وأضاف أن موكله عاش سنوات من «الاحتجاز السياسي غير المبرر»، وأن الإفراج عنه يمثل «انتصارًا للعدالة».
واعتبرت الأوساط الليبية الرسمية أن هذا التطور «انتصار للدبلوماسية الهادئة»، التي قادتها حكومة الوحدة الوطنية بعيدًا عن الضجيج الإعلامي. ووفقًا لمصادر ليبية، فإن جهود الوساطة التي قادها اللافي والدبيبة لعبت دورًا حاسمًا في «إعادة بناء الثقة مع الجانب اللبناني» وفتح صفحة جديدة من التعاون.















