في الوقت الذي يشهد فيه العالم تحولات إعلامية متسارعة، يقف الإعلام العمومي في المغرب على هامش هذا الحراك، و كأنه يعيش خارج الزمن. حالة من الجمود الطويل، تكرّسها نفس الوجوه ونفس المقاربات، و على رأسها تدبير فيصل العرايشي، الذي أصبح اسمه مرتبطًا بمرحلة كاملة عنوانها الأبرز: غياب التحول الحقيقي.
لم يعد خافيًا أن الإعلام العمومي فقد جزءًا كبيرًا من بريقه و تأثيره. فالمشاهد المغربي، الذي كان يومًا ما مرتبطًا بالقنوات الوطنية، أصبح اليوم يهاجر جماعيًا نحو المنصات الرقمية، بحثًا عن محتوى أكثر جرأة، وأكثر صدقًا، و أكثر ارتباطًا بواقعه.
في المقابل، لا يزال الخطاب الإعلامي الرسمي حبيس قوالب تقليدية، تعيد إنتاج نفس المضامين، و تفتقر إلى روح الابتكار.
هذا الجمود لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات طويلة من سوء التدبير، وغياب الحكامة، و تهميش الكفاءات. داخل المؤسسة، يتحدث المهنيون عن اختلالات بنيوية، تبدأ من طرق تدبير الموارد البشرية، و لا تنتهي عند لجان انتقاء البرامج التي أصبحت، في نظر الكثيرين، عنوانًا لغياب الشفافية و تكافؤ الفرص.
الأخطر من ذلك، أن هذا الوضع لم يعد مجرد نقاش داخلي، بل تحول إلى أزمة ثقة حقيقية بين الإعلام العمومي و الجمهور.
و هي أزمة لا تُقاس فقط بنسبة المشاهدة، بل بمدى حضور هذا الإعلام في النقاش العمومي، و قدرته على التأثير في الرأي العام. و هنا، يبدو أن الهوة تتسع يومًا بعد يوم.
و رغم كل ذلك، يستمر الخطاب الرسمي في الحديث عن “إصلاحات” و “تحولات استراتيجية”، دون أن يلمس العاملون أو المشاهدون أثرًا ملموسًا لها. فهل نحن أمام إرادة حقيقية للتغيير، أم مجرد محاولة لربح الوقت في انتظار لحظة مفصلية؟
الواقع يشير إلى أن الاستمرار في هذا النهج لم يعد ممكنًا. فالعالم الرقمي لا ينتظر أحدًا، و المنافسة لم تعد داخلية فقط، بل أصبحت عالمية. و في ظل هذا السياق، فإن أي تأخر في الإصلاح، لن يؤدي إلا إلى مزيد من التراجع، و ربما إلى فقدان الدور بالكامل.
إن الحديث اليوم لم يعد عن إصلاح تدريجي، بل عن ضرورة قطيعة حقيقية مع منطق التدبير التقليدي. قطيعة تفتح المجال أمام الكفاءات الشابة، و تؤسس لحكامة شفافة، و تعيد تعريف دور الإعلام العمومي كخدمة للمواطن، لا كأداة لتجميل الواقع.
ختامًا، يمكن القول إن الإعلام العمومي يقف اليوم على حافة مفترق طرق: إما أن يدخل مرحلة إصلاح عميق و جريء، أو يواجه خطر “الانفجار” بصيغته الرمزية، أي فقدان ما تبقى من ثقة و مشروعية.
و حينها، لن يكون السؤال: *متى يأتي التغيير؟*
بل: *هل جاء بعد فوات الأوان؟*















