في يوليوز 2016، فجرت تسريبات ما يُعرف إعلاميًا بـ فضيحة “خدام الدولة” واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في المشهد السياسي المغربي. الوثائق المسربة كشفت عن تفويت أراضٍ بأسعار رمزية لشخصيات نافذة في الدولة، من وزراء وولاة إلى مديرين عامين وشخصيات مقربة من دوائر القرار، في حي الرياض بالرباط، أحد أغلى أحياء العاصمة. الأسعار المسجلة في الوثائق لم تتجاوز في بعض الحالات 350 درهمًا للمتر المربع، بينما كانت القيمة السوقية الحقيقية تتجاوز 20 ألف درهم، ما أثار صدمة لدى الرأي العام وأعاد طرح نقاشات قديمة حول الريع السياسي والامتيازات غير المشروعة
الصحافي الاستقصائي عمر الراضي كان من أبرز الذين سلطوا الضوء على هذه القضية، من خلال تحقيقات ومقالات تناولت غياب الشفافية في تدبير ممتلكات الدولة، وكيف يُستغل مفهوم “خدام الدولة” لتبرير منح امتيازات غير عادلة لشريحة محدودة من المسؤولين.
التحقيقات الصحفية آنذاك لم تكتف بالكشف عن الأسماء والأرقام، بل طرحت أسئلة جوهرية حول آليات توزيع الثروة العمومية والمساءلة السياسية، وهو ما خلق نقاشًا واسعًا داخل المجتمع المدني وأمام وسائل الإعلام المستقلة.
مرت السنوات، وبقيت قضية “خدام الدولة” رمزًا لغياب المساءلة والشفافية في القطاع العمومي، إلى أن جاء تصريح وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت الأخير في البرلمان، الذي أظهر موقفًا مختلفًا وأبعادًا جديدة للملف.
في الفيديو الذي ظهر على وسائل الإعلام والمواقع الرسمية، قال لفتيت صراحة: “من أخذ أراضٍ أو حتى درهمًا واحدًا من ممتلكات الجماعات الترابية، عليه إعادة ما أخذ، وإلا فإن الدولة ستتدخل لاسترجاع حقوقها ومتابعة المخالفين قانونيًا.”
هذه التصريحات يمكن قراءتها في أكثر من بعد:
1. البُعد القانوني والمحاسبي: التحذير الصريح يمثل خطوة عملية نحو إعادة الحقوق العمومية إلى نصابها، ويشير إلى أن الدولة عازمة على ملاحقة كل مخالف، بغض النظر عن موقعه السياسي أو الوظيفي.
2. البُعد الرمزي: بعد سنوات من التسريبات والفضائح الإعلامية، يرسل هذا التحذير رسالة للمجتمع مفادها أن الريع والامتيازات غير المشروعة لن تبقى دون مساءلة، وأن المحاسبة ليست خيارًا بل ضرورة وطنية.
3. البُعد السياسي والاجتماعي: التصريح يعكس محاولات الحكومة ووزارة الداخلية إعادة الثقة في تدبير الشأن العام وتقليل الفجوة بين المواطن والدولة، وهو ما يشكل اختبارًا حقيقيًا للمساءلة المتساوية أمام القانون.
ربط القضية الأصلية بالتصريحات الأخيرة يظهر مسارًا متدرجًا للملف: من فضيحة إعلامية كشفت عن ضعف المؤسسات وغياب الرقابة، إلى تحرك رسمي يسعى لإعادة التوازن القانوني والسياسي.
وفي هذا الإطار، يمكن القول إن تصريحات لفتيت، رغم أنها جاءت بعد سنوات من التسريبات، تعكس أول خطوات ملموسة نحو تقليص الريع الإداري وإعادة الثقة في الدولة.
إلا أن الملف لا يزال حساسًا، ويطرح تحديات كبرى: هل ستتم متابعة جميع المستفيدين بشكل فعلي؟ هل ستعيد الدولة حقها دون استثناء أو انتقائية؟ وكيف ستؤثر هذه الخطوة على ثقافة الامتيازات والريع السياسي في المغرب؟
الأسئلة تظل قائمة، لكن الأكيد أن الربط بين التحقيق الاستقصائي الأولي والخطاب الوزاري الحالي يعكس تحولًا في طريقة تعامل الدولة مع ملفات الشفافية والمحاسبة، وهو ما يحتاج إلى متابعة دقيقة من المجتمع المدني والإعلام المستقل لضمان تطبيق العدالة دون استثناء.
في النهاية، قضية “خدام الدولة” وتحذير وزير الداخلية ليست مجرد أخبار سياسية عابرة، بل درسًا عمليًا في كيفية مواجهة الريع والامتيازات غير المشروعة، وكيف يمكن للصحافة الاستقصائية أن تلعب دورها في فتح الباب أمام المساءلة، بينما تأتي المؤسسات الرسمية لتأخذ الخطوة التالية: تحويل الضجة الإعلامية إلى إجراءات ملموسة تحمي المال العام وتعزز الثقة بين المواطن والدولة.















