بدأت الحكومة المغربية فعلياً مسار إصلاح شامل لمنظومة التقاعد، في خطوة طال انتظارها بالنظر إلى هشاشة الصناديق وتفاقم العجز الذي ينذر بمخاطر اجتماعية واقتصادية. وتوضح مذكرة تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2026 أن السنة الجارية شهدت إعادة إطلاق عمل اللجنة الوطنية المكلفة بالإصلاح، في أعقاب الحوار الاجتماعي لأبريل 2025، بهدف صياغة تصور متوافق عليه يراعي الالتزامات السابقة ويحمي الحقوق المكتسبة للمنخرطين والمتقاعدين إلى حين دخول الإصلاح حيز التنفيذ.
وترتكز الرؤية الحكومية على إرساء منظومة مزدوجة تتوزع بين قطب عام وآخر خاص، بما يسمح بتوحيد المعايير بين مختلف أنظمة التقاعد وضمان انسجام تدبيرها. وتعوّل الحكومة على هذا الإصلاح لإعادة التوازن المالي للصناديق، في ظل الارتفاع المتواصل في كلفة المعاشات وتزايد الضغط الديمغرافي، مع السعي إلى ترسيخ عدالة أكبر في توزيع الموارد وتعزيز الشفافية.
وعقدت اللجنة الوطنية أول اجتماع لها يوم 17 يوليوز 2025 لوضع منهجية العمل، فيما تعمل اللجنة التقنية على تحليل السيناريو الحكومي وتلقي ملاحظات الشركاء الاجتماعيين، على أن تُرفع النتائج النهائية قبل أبريل 2026. وبعد الحسم في الخطوط العريضة، ستنتقل الحكومة إلى إعداد الإطار التشريعي والتنظيمي، الذي يرتقب عرضه على البرلمان ابتداء من ماي 2026.
وفي موازاة الورش البنيوي، أعلنت وزيرة الاقتصاد والمالية عن إجراء مهم لفائدة المتقاعدين، يقضي بالإعفاء التدريجي للضريبة على الدخل بالنسبة للمعاشات الأساسية، بنسبة 50 في المائة ابتداء من يناير 2025، ثم إعفاء كلي ابتداء من يناير 2026. ويستفيد من الإجراء ما يفوق 750 ألف متقاعد، بكلفة مالية تقارب 1.2 مليار درهم، دون أن يشمل المعاشات التكميلية التي تستفيد أصلاً من تخفيضات ضريبية سابقة.
وتشير الحكومة إلى أن الإصلاح لم يعد خياراً، بل ضرورة تفرضها عدة عوامل، أبرزها قرب نفاد احتياطيات بعض الصناديق العمومية، وتزايد عدد المتقاعدين مقارنة بالمساهمين، وغياب تغطية كافية لشريحة واسعة من المواطنين. ويؤدي أي تدهور في هذه الأنظمة إلى تأثيرات كبيرة على الاقتصاد، خاصة وأن الصناديق تضخ سنوياً مئات المليارات في الدورة الاقتصادية وتؤدي عشرات المليارات كمعاشات.
وقد جاءت التحذيرات من مختلف المؤسسات الوطنية منسجمة في تشخيصها للوضع؛ فالمجلس الأعلى للحسابات وبنك المغرب والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والمندوبية السامية للتخطيط وهيئة مراقبة التأمينات، كلها نبهت إلى المخاطر التي تهدد استدامة النظام، ودعت إلى الإسراع في اتخاذ إجراءات هيكلية تضمن الإنصاف والاستمرارية.
ويبدو أن المغرب يتجه هذه المرة نحو مرحلة جديدة في إصلاح التقاعد، تجمع بين تدابير استعجالية في صالح المتقاعدين، ومسار إصلاحي شامل يعيد الثقة في منظومة الحماية الاجتماعية ويؤسس لقاعدة متينة للأجيال الحالية والمستقبلية.















