هل يمكن لاسمٍ رحل صاحبه قبل عقود أن يستعيد حضوره بقوة في وعي أجيال لم تعش زمنه؟ وهل يمكن لمسار مقاوم من أعماق الأطلس أن يصبح محور نقاش أكاديمي وثقافي يجمع أساتذة وباحثين وطلبة في قاعة واحدة؟
هذا ما حدث في طنجة يوم 28 نونبر 2025، حين اجتمع عدد من الباحثين لاستحضار سيرة رجل ما زال اسمه محفوراً في ذاكرة المقاومة: الشهيد أحمد الحنصالي.

في فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بطنجة، بدا وكأن عقارب الزمن تعود إلى الوراء. فالندوة التي نظمها ماستر العلوم الشرعية والبناء الحضاري – جامعة محمد الخامس بالرباط، بشراكة مع مؤسسة عبد الخالق الطريس والنيابة الجهوية للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بطنجة، لم تكن لقاءً علمياً عادياً؛ بل كانت رحلة غنية في عمق تاريخ المقاومة، حيث تتقاطع الوقائع بالأساطير، وتتحول السيرة إلى أسئلة معلّقة أكثر من كونها أجوبة جاهزة.

منذ عرض الشريط الوثائقي حول مسار الشهيد، أدرك الحضور أنهم أمام قصة تختلف عن المألوف: مقاوم عاش على تخوم الأسطورة، يظهر في الشهادات الشفوية ويختفي في دروب الجبال، بينما تظل نهايته من أكثر فصول المقاومة غموضاً.
الكلمات الافتتاحية للدكتور عبد الرزاق الجاي والدكتور طارق حيون والأستاذ حسن بن يوسف والأستاذة حميدة الجازي، لم تكن مجرد معطيات تاريخية، بل مداخل لدراما وطنية تستحق أن تُروى مراراً.

الجلسات العلمية عمّقت النقاش وفتحت زوايا نظر جديدة. فقد أعاد الدكتور امحمد جبرون تأطير السياق التاريخي لشخصية الحنصالي، بينما توقف العلامة عبد السلام الكرتي عند البعد الروحي لرجل قيل إنه واجه السلاح باليقين والظلم بالثبات. وقدمت الدكتورة ثورية وديع قراءة نفسية لمسار مقاوم عاش ظروفاً قاسية، قبل أن يستعرض الدكتور محمد نحوا المشهد الأوسع للمقاومة في منطقة أزيلال.
ومع توالي العروض، اتضح أن سيرة الحنصالي ليست مجرد ذكرى من الماضي، بل مادة خصبة للتأويل. فقد جمع الدكتور عبد الرزاق الجاي خيوط هذا الإرث في بعده التربوي، بينما ناقش الدكتور عمر لمغيبشي إمكانية إدماج الذاكرة التاريخية في المنظومة التعليمية، ثم جاءت الدكتورة سهام بن المجدوب الحسني بقراءة تحليلية دقيقة للشخصية، ليختتم الدكتور ياسر الطريبق بحديث مؤثر عن ظروف اعتقال الشهيد وإعدامه.

لكن اللحظة التي لفتت انتباه الجميع كانت حين قدمت مؤسسة عبد الخالق الطريس صوراً نادرة للزعيم الوطني عبد الخالق الطريس للنائب الجهوي للمندوبية السامية، الأستاذ حسن بن يوسف.
كانت الصور أشبه بصندوق ذاكرة فُتح بعد زمن طويل: وجوه وأماكن ولحظات بعضها معروف، وبعضها يُكشف لأول مرة. وهنا ارتفعت الأسئلة: كيف حُفظت هذه الصور؟ ولماذا تظهر اليوم؟ وما القصص التي تخفيها خلفها؟
لم تكن هذه الخطوة مجرد تكريم، بل إضاءة لجزء آخر من تاريخ المغرب، حيث تتقاطع مسارات المقاومة وتتواصل الأسئلة التي لم تُحسم بعد.
وتواصلت فقرات الندوة ببرقية ولاء تلاها الدكتور عبد الرزاق الجاي، قبل أن يُختتم اللقاء بتوقيع كتابين جديدين للدكتور العيد نحوا، في مشهد يجمع بين البحث العلمي واستعادة الذاكرة.

لقد فتحت هذه الندوة باباً واسعاً أمام فضول معرفي جديد، ورغبة جماعية في البحث أكثر في مسار أحمد الحنصالي. وهذا وحده كفيل بأن يعيد اسمه إلى الواجهة… لا كرمز فقط، بل كلغز تاريخي يستحق أن يُستكشف من جديد.















